الشيخ محمد الصادقي الطهراني
361
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الألباب » والعقول العميقة الخارجة عن قشورها الخاطئَة « لعلكم تتقون » الممات في مختلف مسارحه المخلَّفة من ترك ملاحقة المجرمين . فمهما كان في عفو المجرم وترك ملاحقته أو التخفيف عنه « تخفيف ورحمة من ربكم » كأحوال جانبية مرهونة بمصالحها ، ولكنما القصاص ، كأصل وضابطة فيها حياة لأولي الألباب بل وسواهم : حياةٌ لأهل الحق كيلا يموت الحق وشفاءٌ لصدورهم من حقد فاتك ورغبة في الثأر الذي لم يكن يقف عند حدٍّ وكما نراه في واقعنا اليوم حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية في أجيال ولا تكف عن المسيل إذ لا تجد إلى القصاص السبيل . وحياة للمجرمين كيلا يكرروا إجرامهم حين لا يقتلون بقصاص ، ففي القصاص تنبثق حياة من كف الجُناة عن الاعتداء ساعة الابتداء ، فالذي يوقن انه يدفع حياته ثمناً لحياة من يقتله ، جدير به ان يتروى ويفكر ويتردد فيرتد إلى عقله ولبه ، وحياةٌ لهم أخرى في الأخرى حين يُقتلون ان يُصدَّ عن إجرامهم ، وحياةً لسائر المسلمين كيلا يجرموا أم يتخاذلوا أمام المجرم ، وحياة لحكام الشرع إزالة للفوضى واحياءً لروح الأمن والطمأنينة ، وعلى الجملة حياة للمسلمين ككل « 1 » اللّهم إلّا فيما كان في ترك القصاص أو التخفيف عنه حياةٌ ف « ذلك تخفيف من ربكم ورحمة . . » . فالقشريون الذين لا ألباب لهم يفضلون ترك القصاص زعمَ أنه رحمة وعاطفة إنسانية وذلك تفريط بحق القصاص ، وآخرون مُفْرِطون يعملون الفوضى في القصاص ، أم يجعلون عدل القصاص أصلًا لا يستثنى ، وشريعة القصاص القرآنية عوان بين الإفراط والتفريط بشأنها ، أصلًا كقانون حقوقي عام « وفي القصاص حياة » وفرعاً كتبصرة حين تقتضيها المصلحة فوق مصلحة القصاص : « ذلك تخفيف من ربكم ورحمة » ! وهذه شرعة أولى الألباب ، الذين يراعون كل جوانب المصلحة ، فردية وجماعية .
--> ( 1 ) ) نور الثقلين 1 : 158 في الاحتجاج للطبرسي باسناده إلى علي بن الحسين عليهما السلام في تفسير الآية : ولكم يا أمة محمد صلى الله عليه وآله في القصاص حيوة لأن من هم بالقتل يعرف انه يقتص منه فكف لذلك عن القتل الذي كان حيوة للذي كان هم بقتله ، وحياةً لهذا الجاني الذي أراد ان يقتل وحياة لغيرهما من الناس إذ علموا ان القصاص واجب لا يجسرون على القتل مخافة القصاص « يا أولى الألباب » اولي العقول « لعلكم تتقون »